هل المغاربة أمام فرصة استثمارية حقيقية، أم أمام عملية نصب و احتيال جديدة قد تنتهي بخسارة مدخرات المواطنين؟ هذا السؤال لم يعد مجرد تخوف عابر، خصوصاً مع ظهور عروض تغري الناس بأرباح يومية مقابل مبالغ مالية مهمة، وتطلب منهم تسليم أموالهم نقداً قبل تحويلها إلى عملات رقمية وإيداعها داخل تطبيق إلكتروني.
الحديث هنا عن CTAI، التطبيق الذي يُروَّج له باعتباره مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي والروبوتات، والذي أصبح موضوع تساؤلات بعد زيارة ميدانية قام بها مراسل جريدة تيلي آسفي لما يُقدَّم على أنه مركز للإعلانات تابع لهذا النشاط.
لكن قبل الدخول في تفاصيل هذا العرض، هناك سؤال يطرح نفسه بقوة: هل السلطات المختصة واعية بطبيعة هذا النشاط ؟ وبالطريقة اللي تجمع بها الأموال من المواطنين؟ هل تمت مراقبة الوعود المالية اللي تُقدم للمشاركين؟
اشتري سهم بـ 5000 درهم و ستربح أزيد من 2000 درهم شهرياً ..

خلال الزيارة الميدانية إلى ما يطلق عليه اسم مركز الإعلانات
استقبل شخصٌ مراسل الجريدة وشرح له طريقة الانخراط. وحسب المعطيات التي قُدّمت له، يمكن البدء بمبلغ 500 دولار، أي ما يقارب 5 آلاف درهم، مقابل أرباح يومية تصل، وفق الجدول الترويجي المعروض، إلى 12.6 دولار أي أنه قد تصل أرباحك إلى ما يقارب 2400 درهم شهرياً .
أرقام مغرية، بلا شك. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من أين تأتي هذه الأرباح؟ و هل هناك نشاط تجاري فعلي ومداخيل مثبتة تسمح بتحقيق هاد العائدات، أم أن الأمر مجرد أرقام وهمية داخل التطبيق؟
لم نكتفي بالاستماع للوعود، بل حاولنا أن نفهم المسار الحقيقي للأموال. وعندما سألنا كيف سيتم تحويل مبلغ 5 آلاف درهم إلى رصيد بالتطبيق ، هذا المبلغ اللذي سيتسلمه نقداً شخص بمركز الإعلانات يقدم نفسه على أنه المشرف على الشركة في مدينة آسفي ، كان الجواب أنه شخصياً سيشتري العملة الرقمية USDT عبر منصة Binance، ثم يحولها إلى الحساب داخل CTAI.
وهنا تظهر معالم خرق قانوني خطير فقد حذرت السلطات المالية المغربية من المعاملات بالعملات الرقمية في إطار تنظيم الصرف الجاري به العمل. وهو ما يجعل طريقة جمع الأموال نقداً وشراء USDT وتحويلها إلى المنصة موضوعاً يستحق التحقق من مدى امتثاله للقوانين المعمول بها

COS ما زال حاضراً في الذاكرة.. أخطر عملية نصب راح ضحيتها المئات من الشباب
هاد الملف يعود إلى الأذهان، تجربة تطبيق COS، اللي ارتبط اسمه بشكايات وادعاءات عن خسائر مالية لدى عدد من المغاربة، ومن بينهم شباب من مدينة آسفي، تحدثوا عن مبالغ مهمة وصلت، بحسب روايات متداولة، إلى ملايين السنتيمات.
هذا ما يستوجب من السلطات أن تفتحص أي نشاط جديد يعتمد على إيداع الأموال مقابل عائد مرتفع و أن يدقق في حساباته بعناية، قبل أن يجد مواطنون آخرون نفسهم أمام عملية نصب و احتيال ثانية .
صحيح أن تشابه بعض الممارسات لا يكفي أن نحكم على أن CTAI هو نسخة من COS، ولا نتهم جهة معينة بالنصب دون أدلة قاطعة. ولكن هل من المعقول أن نتعامل مع هذه المؤشرات باستخفاف، و ننتظر ظهور شكايات جديدة وخسائر أخرى للوقوف أمام أي شبهة النصب
الوقاية تبدأ قبل ضياع أموال المواطنين ، و ليس بعد أن يغلق التطبيق أبوابه و يصبح السحب مستحيلاً.
و هل فعلاً يشتري المواطن أسهماً؟
من بين النقاط اللي تحتاج توضيحاً، تقديم العملية على أساس شراء أسهم في شركة مرتبطة بالتكنولوجيا والروبوتات.
إذا كان الأمر يتعلق فعلاً بالأسهم، فمن حق المستثمر أن يعرف اسم الشركة المصدرة، وعدد الأسهم التي سيمتلكها كيف سيسجل اسمه في سجل المساهمين؟ وما هي حقوقه القانونية؟ كما يجب أن تكون هناك وثائق واضحة تثبت الملكية، وليس رصيد داخل تطبيق أو وعود شفهية.
بيع و شراء الأسهم، عملية تتم خارج القانون؛

بل تخضع، بحسب طبيعة العرض والجهة المصدرة، للقانون رقم 44.12 المتعلق بدعوة الجمهور إلى الاكتتاب، وللقواعد المنظمة لسوق الرساميل. وبالتالي، فإن السؤال المطروح هو: هل هذا العرض مستوفٍ للشروط القانونية اللازمة؟ و هل الجهة التي تسوقه للمواطنين عندها الصفة القانونية المطلوبة؟
والتزاماً بأخلاقيات العمل الصحفي ومبادئ التوازن والموضوعية تواصلنا مع شخص قُدّم لنا على أنه مدير الشركة.. ورفض الإجابة
وفي إطار منح الطرف المعني حق الرد، تواصلت جريدة تيلي آسفي مع شخص قُدّم لها على أنه مدير الشركة، تحت اسم محمد بن علي .

وُجّهت إليه أسئلة مباشرة حول حقيقة الأسهم التي يُقال إن المشاركين يشترونها، ومصدر الأرباح اليومية، وكيفية تحويل الأموال النقدية إلى USDT، والضمانات المتاحة لاسترجاع رأس المال، إضافة إلى الوضع القانوني للنشاط داخل المغرب.
لكن الشخص المذكور رفض الإجابة عن هذه الأسئلة، وهو ما أبقى عدداً من النقاط الأساسية دون توضيح.
رفض الإجابة لا يشكل في حد ذاته دليلاً على ارتكاب مخالفة، لكنه يجعل الحاجة إلى توضيحات موثقة أكثر إلحاحاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأموال المواطنين ووعود بعائدات مرتفعة. وتظل الجريدة مستعدة لنشر أي رد رسمي أو وثائق تقدمها الجهة المعنية لتوضيح طبيعة نشاطها.
من يحمي المواطن قبل فوات الأوان؟
الأسئلة المطروحة اليوم واضحة: من يقف وراء جمع الأموال؟ ما المصدر الحقيقي للأرباح؟ هل يملك المشاركون أسهماً فعلية؟ وهل يمكنهم استرجاع أموالهم خارج التطبيق، دون شروط مفاجئة أو عراقيل؟
هذه الأسئلة لا تستهدف إصدار أحكام مسبقة، وإنما المطالبة بالشفافية والتحقق. فالمواطن الذي يضع آلاف الدراهم في أي مشروع استثماري من حقه أن يعرف أين تذهب أمواله، وما الذي يحصل عليه مقابلها، ومن يتحمل المسؤولية إذا تعذر عليه استرجاعها.
وبعد التجارب السابقة التي ارتبطت بخسائر مالية لدى بعض المغاربة، فإن تجاهل المؤشرات أو الاكتفاء بالشعارات الترويجية قد يكلّف أشخاصاً آخرين مدخراتهم.
CTAI مطالب بتوضيحات موثقة، والجهات المختصة مطالبة بالتحقق من طبيعة النشاط، والمواطنون مطالبون بالحذر قبل تسليم أموالهم.
فالسؤال اليوم ليس هل التطبيق يعرض الأرباح على الشاشة، ولكن: هل هذه الأرباح لديها مصدر اقتصادي واضح؟ و هل الأموال التي يدفعها المواطن مضمونة بوثائق وحقوق قانونية قابلة للتنفيذ؟
لأن أخطر لحظة في أي استثمار مشبوه ليس تلك اللحظة التي يظهر فيها الربح، ولكن تلك اللحظة التي يقرر فيها المواطن سحب أمواله، ليكتشف أنه كان يتعامل مع استثمار وهمي .