كل فصل شتاء فضيحة جديدة.. واش المغرب عاجز أمام الفيضانات؟
تيلي آسفي

تيلي آسفي

لم تعد الأمطار الغزيرة في المغرب مجرد اختبار موسمي لقوة الطبيعة، بل أصبحت مناسبة لطرح سؤال يتجاوز النشرات الجوية والتحذيرات من التقلبات المناخية: إلى أي حد أصبحت مدننا قادرة على حماية المواطنين من الفيضانات، بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الكارثة؟
فمع كل تساقطات قوية، تتجدد المخاوف من غمر الشوارع بالمياه، وتعطل حركة السير، ومحاصرة بعض الأحياء، وتضرر المنازل والممتلكات. وعندما تتحول الأمطار إلى سيول جارفة، يصبح النقاش أكبر من كمية التساقطات، ليمتد إلى قدرة شبكات تصريف المياه، وصيانة القنوات، وتدبير مجاري الأودية، واحترام ضوابط التعمير، ومدى جاهزية خطط الإنقاذ والإجلاء.
وكانت مدينة آسفي قد عاشت، في دجنبر 2025، فاجعة فيضانات أودت بحياة عشرات الأشخاص وألحقت أضراراً بالمنازل والمحلات والمركبات، وهي مأساة أعادت إلى الواجهة أسئلة مؤلمة حول العلاقة بين المخاطر المناخية وجاهزية البنية التحتية الحضرية.
فالأمطار ظاهرة طبيعية، وقد تتجاوز أحياناً قدرة أي منشأة على استيعابها، لكن حجم الخسائر يتأثر أيضاً بعوامل يمكن التخطيط لها والحد من آثارها. وهنا يبرز الفرق بين مدينة تنتظر وصول المياه لتبدأ التدخل، ومدينة تستثمر مسبقاً في الوقاية والصيانة والإنذار المبكر.
تونس.. تجربة عربية تستحق المقارنة
في المقابل، تقدم تونس نموذجاً يمكن الاستفادة منه في هذا النقاش. فقد وسّعت الحكومة التونسية، بدعم من البنك الدولي، برنامجاً للحماية من الفيضانات الحضرية، بتمويل إضافي قدره 50 مليون دولار، ليشمل مناطق معرضة للخطر، من بينها تونس الغربية وقابس وجربة، مع تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتحسين البنية التحتية. ويستند البرنامج إلى تدخلات سابقة ساهمت، بحسب البنك الدولي، في حماية نحو 170 ألف شخص من مخاطر الفيضانات في عدد من المدن التونسية.
المقارنة هنا ليست للقول إن تونس قضت على الفيضانات، فهي نفسها شهدت تساقطات استثنائية وسيولاً قوية مطلع سنة 2026، وإنما لإبراز أهمية الجمع بين مشاريع الحماية، والإنذار المبكر، والصيانة، والتخطيط الحضري، بدل التعامل مع كل موسم مطير باعتباره حالة طوارئ منفصلة.
المغرب أيضاً يتحرك.. لكن أين تكمن الفجوة؟
من الإنصاف الإشارة إلى أن المغرب أطلق مشاريع للحد من مخاطر الفيضانات. فقد أعلن وزير التجهيز والماء، في دجنبر 2025، إنجاز 33 مشروعاً للحماية من الفيضانات خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، إلى جانب إطلاق 15 مشروعاً إضافياً. كما أشار إلى أن الإنذار المبكر ساهم في تفادي تسجيل ضحايا خلال فيضانات بمنطقة أوريكا في غشت 2025.
وتشير بيانات البنك الدولي المنشورة في غشت 2026 إلى تمويل أكثر من 300 مشروع للحد من مخاطر الكوارث بالمغرب بين 2016 و2025، شملت الحماية من الفيضانات والإنذار المبكر والتخطيط الحضري.
لكن وجود المشاريع والأرقام لا يعفي من تقييم أثرها الفعلي على الأرض: هل وصلت الحماية إلى الأحياء الأكثر عرضة للخطر؟ هل تُنظف قنوات الصرف وتُصان قبل موسم الأمطار؟ هل تُحترم مجاري الأودية ومناطق تصريف المياه؟ وهل تُنشر نتائج واضحة حول ما أُنجز، وما تأخر، وما لا يزال يحتاج إلى تدخل؟
المطلوب ليس أن نمنع المطر، بل أن نقلص قدر الإمكان تحوله إلى مأساة. فكل درهم يُصرف على الوقاية والصيانة والتخطيط قد يجنب السكان خسائر بشرية ومادية أكبر، شريطة أن تُنجز المشاريع وفق دراسات دقيقة، وأن تخضع للمراقبة والتقييم والمحاسبة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح على المسؤولين والمنتخبين والمهندسين معاً: هل نقيس نجاح تدبير الفيضانات بعدد المشاريع التي أُعلن عنها، أم بمدى قدرة المواطنين على عبور فصل الشتاء بأمان؟
لأن الاختبار الحقيقي للبنية التحتية ليس في الأيام المشمسة، بل في اللحظة التي تهطل فيها الأمطار بغزارة.

تيلي آسفي : أحمد الزوبيري