أسامة باريك.. من أعالي الجبال إلى قبة البرلمان
تيلي آسفي : أحمد الزوبيري

تيلي آسفي : أحمد الزوبيري

لم يحتج إلى حزب قوي ولا إلى إمكانيات انتخابية ضخمة حتى يلفت الأنظار؛ احتاج إلى هاتف، وكاميرا، وقضايا يؤمن بها، وإصرار على إيصال صوت المناطق الجبلية إلى أبعد مدى.
في أعالي جبال الأطلس، حيث تتحول المسافة إلى المدرسة إلى رحلة يومية شاقة، وحيث تظل الطرق والخدمات الصحية وفك العزلة من المطالب التي تنتظر الحل، بدأت حكاية شاب اختار أن يجعل من هاتفه نافذة يطل منها على هموم منطقته، ومن مواقع التواصل الاجتماعي منبراً لمخاطبة المسؤولين.
إنه أسامة باريك، المعروف باسم أسامة بارك، ابن إملشيل بإقليم ميدلت، الذي راكم حضوره الرقمي من خلال فيديوهات تناولت مشاكل المناطق الجبلية، وصعوبات التنقل، وضعف البنيات التحتية، ومعاناة الشباب القروي. وبدلاً من أن تبقى هذه القضايا حبيسة النقاشات المحلية، منحها انتشار مواقع التواصل فرصة للوصول إلى جمهور أوسع.
لم تكن الكاميرا بالنسبة إليه مجرد وسيلة لصناعة المحتوى، بل تحولت إلى أداة للمساءلة وإيصال المطالب. ومع مرور الوقت، أصبح الاسم الذي يعرفه المتابعون خلف شاشة الهاتف حاضراً في النقاش العام، قبل أن يقرر الانتقال من انتقاد الواقع إلى خوض غمار السياسة.
وفي انتخابات 23 شتنبر 2026، تحولت المتابعة الرقمية إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع، بعدما فاز بمقعد برلماني عن دائرة ميدلت، مرشحاً لحزب الوحدة والديمقراطية، في نتيجة لفتت انتباه عدد من المنابر الإعلامية المغربية.
هنا تكمن قيمة القصة: ليس لأن الهاتف أصبح بديلاً عن المؤسسات، ولا لأن الشهرة الرقمية تكفي لصناعة سياسي ناجح، بل لأن تجربة هذا الشاب تطرح احتمالاً جديداً أمام الشباب المغربي؛ أن يبدأ الإنسان من محيطه البسيط، وأن يحول انشغالاته اليومية إلى قضية عامة، ثم يمنح نفسه فرصة الانتقال من التعبير إلى المشاركة في صنع القرار.
لكن الوصول إلى البرلمان ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها الأصعب. فالمتابعون الذين كانوا ينتظرون منه فيديو يكشف مشكلة في منطقة جبلية، ينتظرون اليوم أن يروا كيف ستتحول تلك المطالب إلى مبادرات تشريعية، وترافع داخل المؤسسة البرلمانية، ومتابعة فعلية للملفات التي صنعت حضوره.
من الجبال إلى قبة البرلمان، اختصر أسامة باريك مسافة طويلة بين صوت المواطن ومؤسسات القرار. وتبقى قيمة هذا المسار مرتبطة بما سيقدمه من نتائج، لأن النجاح الحقيقي ليس أن يصل صوتك إلى البرلمان فحسب، بل أن يعود من هناك بأجوبة وحلول يلمسها الناس في حياتهم اليومية.
وربما تكون الرسالة الأهم للشباب هي أن البداية لا تحتاج دائماً إلى إمكانيات كبيرة؛ فقد تبدأ بهاتف بسيط وفكرة واضحة وإرادة لا تستسلم. لكن تحويل هذه البداية إلى تغيير حقيقي يحتاج إلى الاستمرارية، والكفاءة، والقدرة على تحويل الوعود إلى إنجازات.
فهل نشهد بداية جيل جديد من الفاعلين الذين يصعدون من هموم الناس إلى المؤسسات، أم أن امتحان البرلمان سيكون أصعب من امتحان مواقع التواصل؟