هروب الجاموس البرازيلي يتحول إلى أسئلة حول مصدر اللحوم وثمنها وهوية ما يصل إلى موائد المستهلك
تيلي آسفي : أحمد الزوبيري

تيلي آسفي : أحمد الزوبيري

لم يكن مقطع الفيديو الذي انتشر خلال الساعات الماضية، ويظهر جاموس يتجول في شوارع مدينة آسفي، مجرد مشهد عابر بالنسبة إلى عدد من المواطنين.
سرعان ما انتقل النقاش من الحيوان الهارب إلى اللحوم البرازيلية المستوردة، بعدما تداولت صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تدوينات تتحدث عن بيع لحم يوصف بأنه «جاموس برازيلي» بحوالي 60 درهماً للكيلوغرام، مقابل أسعار تصل إلى حوالي 120 درهماً للكيلوغرام بالنسبة إلى اللحم البلدي.
ومن هنا ظهر السؤال الذي يستحق التحقيق:
هل يصل اللحم المستورد إلى المستهلك المغربي بسعر منخفض، ثم يباع له بالسعر نفسه الذي يباع به اللحم المحلي؟ وهل توجد فعلاً حالات يتم فيها تقديم اللحم المستورد للمستهلك على أنه لحم بلدي؟
حتى الآن، لا توجد في المعطيات المتاحة وثيقة تثبت أن هذه الممارسة وقعت في آسفي. ولذلك فإن التعامل مع الادعاء باعتباره حقيقة سيكون سابقاً لأوانه.
لكن المعطيات المتوفرة تفتح بالفعل ملفاً يستحق التدقيق.
أولاً هل البرازيل تصدر اللحوم إلى المغرب؟
نعم.
المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية ONSSA يدرج البرازيل ضمن البلدان المرخص لها بتصدير اللحوم البقرية الطرية أو المجمدة إلى المغرب. كما تنص الوثائق الرسمية على شروط وشهادات صحية مرتبطة بهذه الواردات.
وهذا يعني أن وجود لحوم برازيلية في السوق المغربية ليس أمراً غير قانوني أو سرياً في حد ذاته.
بل إن الاستيراد يخضع، وفق ONSSA، لمراقبة الوثائق والهوية والفحص المادي، مع اشتراط وثائق من بينها الشهادة الصحية وشهادة المنشأ والفاتورة والتصريح الجمركي.
كما أن المكتب يوضح أن المراقبة الصحية والجودة تشمل المجازر ووحدات ذبح اللحوم الحمراء، إضافة إلى نقاط البيع، حيث تتم المراقبة وفق النظام المعمول به.
ماذا عن رقم 60 درهماً؟
هنا تبدأ المنطقة التي تحتاج إلى كثير من الحذر.
الرقم المتداول على مواقع التواصل، 60 درهماً للكيلوغرام، لا يكفي وحده لمعرفة الحقيقة.
لماذا؟
لأن سعر اللحم يختلف بحسب المرحلة التي نتحدث عنها:
سعر الاستيراد ≠ سعر الجملة ≠ سعر البيع بالتقسيط.
وهذا الفرق مهم جداً.
ففي يونيو 2026، نقلت صحيفة Le360 عن مهنيين أن اللحم البقري البرازيلي كان يدخل سوق الجملة بحوالي 85 إلى 90 درهماً للكيلوغرام، ثم يصل إلى المستهلك بحوالي 100 درهم بحسب الجودة.
وفي يوليوز، أفادت معطيات مهنية أخرى بأن أسعار لحم البقر بالجملة كانت تدور حول 92 إلى 105 دراهم، فيما يبدأ سعر البيع بالتقسيط من حوالي 120 درهماً في بعض الأسواق.
وهذا يجعل رقم 60 درهماً بحاجة إلى مصدر واضح: هل هو ثمن شراء الحيوان؟ أم ثمن اللحم عند المستورد؟ أم سعر الجملة؟ أم مجرد تقدير متداول؟
بدون تحديد هذه النقطة، لا يمكن إجراء مقارنة اقتصادية دقيقة
وماذا عن 120 درهماً للكيلوغرام؟
هذا الرقم، على عكس رقم 60 درهماً، يتقاطع مع أسعار موثقة في السوق المغربية.
ففي شتنبر 2026، نقلت «الاتحاد الاشتراكي» عن جزارين في الدار البيضاء أن سعر لحم البقر بلغ 120 إلى 140 درهماً للكيلوغرام بالنسبة للأصناف التي وصفها المهنيون بالجيدة. وفي التقرير نفسه، تحدث جزارون عن لحوم الجاموس القادمة من البرازيل والأوروغواي بسعر يقارب 90 درهماً للكيلوغرام.
كما سجلت تقارير سابقة خلال يونيو أسعاراً تتجاوز 120 درهماً في البيع بالتقسيط بالنسبة لبعض أنواع لحم البقر.
إذن، وجود فارق سعري بين بعض اللحوم المستوردة وبعض اللحوم المحلية أمر تؤكده معطيات السوق.
لكن الفارق السعري، بحد ذاته، لا يثبت وجود غش.
هل كل حيوان برازيلي هو «جاموس»؟
هذه نقطة مهمة جداً في هذا الملف.
في التداول الشعبي، أصبح بعض المهنيين والمستهلكين يستخدمون كلمة «الجاموس» لوصف بعض اللحوم البرازيلية المستوردة.
لكن الوثائق الرسمية التي وجدناها تتحدث عن viandes bovines — لحوم بقر القادمة من البرازيل.
لذلك، لا ينبغي تحويل وصف متداول في السوق إلى تصنيف علمي للحيوان دون تحديد السلالة أو النوع.
وهنا أيضاً يمكن أن يكون الفيديو المتداول في آسفي مدخلاً لسؤال آخر:
ما هو الحيوان الذي ظهر فعلاً في الفيديو؟ ومن أين جاء؟ ومن الجهة التي كانت مسؤولة عن نقله؟
هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها اعتماداً على الصورة وحدها
أين تكمن المشكلة الحقيقية؟
المشكلة ليست في كون اللحم برازيلياً.
فالمغرب يسمح باستيراد اللحوم البقرية من البرازيل وفق الشروط الصحية المعمول بها.
والمشكلة ليست أيضاً في أن تكون هناك لحوم مختلفة الأسعار والجودة.
المشكلة التي تستحق التحقيق هي الشفافية تجاه المستهلك.
إذا كان هناك لحم مستورد، فمن حق المستهلك أن يعرف أنه مستورد.
وإذا كان هناك فرق في الجودة والسعر بين اللحم المحلي والمستورد، فمن حقه أن يعرف ذلك قبل الشراء.
أما إذا ثبت أن لحماً مستورداً يتم تقديمه للمستهلك عمداً على أنه لحم محلي، فهنا يصبح الأمر مختلفاً تماماً، ويستوجب تحديد المسؤوليات بناءً على الأدلة والوثائق.
من 60 إلى 120 درهماً.. أين يذهب الفرق؟
إذا أخذنا الأرقام المتداولة فقط كفرضية حسابية، فإن الفرق بين 60 و120 درهماً يبلغ 60 درهماً في الكيلوغرام، أي أن السعر الثاني يعادل ضعف الأول.
لكن لا يمكن اعتبار كامل هذا الفرق «ربحاً» أو «هامشاً غير مشروع».
فبين المستورد والمستهلك توجد تكاليف النقل والتخزين والتبريد والذبح والتقطيع والرسوم وهوامش مختلف المتدخلين.
ولهذا فإن السؤال الصحفي الصحيح ليس:
«من يسرق الفرق؟»
بل:
«ما هو المسار الكامل للكيلوغرام الواحد من اللحم، من لحظة دخوله المغرب إلى أن يصل إلى طاولة المستهلك؟»
وهذا المسار هو الذي يمكن أن يكشف حقيقة الأسعار.
وآسفي.. ماذا نحتاج أن نعرف؟
الفيديو المتداول يستحق أكثر من مجرد التداول على مواقع التواصل.
إذا كان الحيوان فعلاً ضمن شحنة مستوردة، فمن المفترض أن تكون هناك وثائق تتعلق بمصدره ومسار نقله والجهة المستقبلة له.
وONSSA يوضح أن مصالحه تقوم بالمراقبة عند الاستيراد، كما أن آسفي نفسها تضم مركز تفتيش حدودياً مفتوحاً للاستيراد ضمن منظومة المراقبة الوطنية.
لذلك، يمكن الوصول إلى جواب مهني عن طريق طرح أسئلة محددة على الجهات المختصة:
* ما مصدر الحيوان الذي ظهر في الفيديو؟
* هل هو فعلاً من الحيوانات المستوردة من البرازيل؟
* ما الجهة التي استوردته أو تسلمته؟
* هل كان موجهاً للذبح؟
* هل يحمل الوثائق الصحية والتعريفية المطلوبة؟
* أين تم إيواؤه قبل الواقعة؟
* وما مصيره بعد العثور عليه؟
* وما أسعار اللحوم البرازيلية فعلياً في سوق آسفي، بالجملة والتقسيط؟
* وهل يتم إخبار المستهلك بمصدر اللحم؟
بين فيديو حيوان يتجول في شوارع آسفي، وتدوينات تتحدث عن 60 درهماً للكيلوغرام، وأسعار تصل إلى 120 أو 140 درهماً لبعض أصناف لحم البقر، هناك قصة أكبر من الفيديو نفسه: قصة شفافية السوق وسلسلة توزيع اللحوم الحمراء في المغرب.
المعطيات المتوفرة تؤكد وجود لحوم بقر برازيلية مستوردة بشكل قانوني، وتؤكد كذلك وجود فارق في الأسعار بين بعض اللحوم المستوردة والمحلية.
لكنها لا تثبت، حتى الآن، أن المستهلك في آسفي يشتري لحماً برازيلياً على أنه «بلدي».
وهنا بالضبط يجب أن يتوقف التحقيق عند الادعاء، وينتقل إلى الوثيقة:
فاتورة الاستيراد، وثيقة المنشأ، مسار الذبح، فاتورة الجملة، وثمن البيع للمستهلك.
فإذا كانت الأرقام متطابقة مع ما يتم تداوله، فالمطلوب تفسيرها.
وإذا كانت غير صحيحة، فالمطلوب أيضاً تصحيحها.

تيلي آسفي - أحمد الزوبيري

تيلي آسفي : أحمد الزوبيري

تيلي آسفي : أحمد الزوبيري